الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
92
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هي التوراة . والسيد فيعل من ساد يسود إذا فاق قومه في محامد الخصال حتى قدموه على أنفسهم ، واعترفوا له بالفضل . فالسؤدد عند العرب في الجاهلية يعتمد كفاية مهمّات القبيلة والبذل لها وإتعاب النفس لراحة الناس قال الهذلي : وإنّ سيادة الأقوام فاعلم * لها صعداء مطلبها طويل أترجو أن تسود ولن تعنّى * وكيف يسود ذو الدعة البخيل وكان السؤدد عندهم يعتمد خلال مرجعها إلى إرضاء الناس على أشرف الوجوه ، وملاكه بذل الندى ، وكفّ الأذى ، واحتمال العظائم ، وأصالة الرأي ، وفصاحة اللسان . والسيّد في اصطلاح الشرع من يقوم بإصلاح حال الناس في دنياهم وأخراهم معا وفي الحديث « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » وفيه « إنّ ابني هذا سيّد » - يعني الحسن بن علي - فقد كان الحسن جامعا خصال السؤدد الشرعي ، وحسبك من ذلك أنّه تنازل عن حق الخلافة لجمع كلمة الأمة ، ولإصلاح ذات البين ، وفي تفسير ابن عطية عن عبد اللّه بن عمر : أنه قال : « ما رأيت أحدا أسود من معاوية ابن أبي سفيان - فقيل له وأبو بكر وعمر - قال : هما خير من معاوية ومعاوية أسود منهما » قال ابن عطية : « أشار إلى أنّ أبا بكر وعمر كانا من الاستصلاح وإقامة الحقوق بمنزلة هما فيها خير من معاوية ، ولكن مع تتبع الجادّة ، وقلّة المبالاة برضا الناس ينخرم فيه كثير من خصال السؤدد ومعاوية قد برّز في خصال السؤدد التي هي الاعتمال في إرضاء الناس على أشرف الوجوه ولم يواقع محذورا » . ووصف اللّه يحيى بالسيّد لتحصيله الرئاسة الدينية فيه من صباه ، فنشأ محترما من جميع قومه قال تعالى : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً [ مريم : 12 ، 13 ] ، وقد قيل السيّد هنا الحليم التقيّ معا : قاله قتادة ، والضحاك ، وابن عباس ، وعكرمة . وقيل الحليم فقط : قاله ابن جبير . وقيل السيّد هنا الشريف : قاله جابر بن زيد ، وقيل السيّد هنا العالم : قاله ابن المسيّب ، وقتادة أيضا . وعطف سيّدا على مصدّقا ، وعطف حصورا وما بعده عليه ، يؤذن بأنّ المراد به غير العليم ، ولا التقي ، وغير ذلك محتمل . والحصور فعول بمعنى مفعول مثل رسول أي حصور عن قربان النساء .